كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

سعاد حسني... زنبقة النهار




عناية جابر | التاريخ: 2002-07-03 | السفير رقم العدد:9238

لا أذكر أن الشاشات، أبانت ملامح فاخرة من جسد سعاد حسني. لم يكن جسدها كاملاً ولا نادهاً. هي نفسها كانت تشتكي في مقابلاتها الصحافية صغر نهديها وقصر قامتها. ما كان يشدني هو عينيها، لقد كانت تانك العينان سحرا خالصا. سوادهما دحض ألوان العيون كافة حتى الاخضر الخطير، وكان ليجد الرأي الاجنبي في صحن وجهها حمامتين سوداوين تتخبطان، ومعلما شرقيا دافئا. عيناها دعجاوتان ترخيان حبال التواطؤ بينها وبين ناظريها. تركت نفسي تحبها. تركت لعينيها اجتياز مسافتها الى قلبي. وتلك الرموش هباتٌ مجدولة ومسدلة على قيعان عميقة. لكي اصل الى المدرسة صباحا، الكوستيم الرمادي والقميص الابيض المنشّى، كان يحصل ان أرشق بعبارات من نوع معيّن. كنت التمس في البال فورا، زقاقا مصريا وصبية مُلطخين بشحم اعمالهم. فتيان في طور الشباب وتلاميذ الى مدارسهم، وأنا وحدي، جميلة الزقاق والمدرسة ومصر كلها. اخطر بعينيي فحسب، متجاهلة عدة الانوثة الباقية، مسدلة رموشي على غرار الإسدال الكثيف لسعاد حسني، مبتسمة لنهوض الصباح. ذلك كان جزءا من مراهقتي، كان الجزء الاحلى، الاشد حلاوة. 

لم اكن اعبر الشارع بين بيتنا والمدرسة، لأجل حاجات العلم الطفيفة، ولكن من اجل الطاعة والاذعان لقوة الرغبة في التماهي مع سعاد حسني. كنت اختال بعلامات نصري، بعينيّ ورموشها، أليست هذه سلاسل ذهبها هي؟ أليست تحتاجني رسولة ترسلني في الشارع وتقيس من خلال عينيّ زهو وجهها وحدها. فيما بعد، رحت أراقب ضحكتها. كانت تضحك كثيراً وتبتسم اكثر. وبدا لي ان لا شيء يشغل بالها، هذه الفتاة التي ترفع صخبها في أفلامها ولا تتورّع عن بالغ دلالها. ولأنني كنت أتمتع بقابلية جيدة على الحزن، ويأخذ الأخير مكانه الرحب في قلبي، بدأت لا تعجبني خفتها، ولا طريقتها في »السقسقة«. سأسمح لنفسي ببعض الدلال واقول انني كنت مراهقة ممتازة، لم اضبط مرة متلبّسة بتقليدها. ما بنيته معها كأساس، ما كنت ابحث عنه عندها، وعلى نحو غامض هو فطنة عينيها، وليس اندفاعها ولا شغبها. كنت اميل عميقا الى فاتن حمامة في مسافتها التي تفصل، عن الحماقات. كنت احبّ الغرام الذي يدبّ في اوصال فاتن. في »سيدة القصر« مع عمر الشريف دوّختني، وفي »صراع في الوادي« مع عمر ايضا هدّت حيلي وبقيت سنة بعده، أبحث في أزقة بيروت عن وادٍ وعن شبيه لعمر وعن صراع ما. كيفما سرّحت سعاد حسني شعرها، كان وجهها يبان تمام التمام، ما عدا حين تضفره بشريطين ابيضين على جانبي وجهها. حينها ينهدم سحر عينيها وتنشأ مفارقة فادحة: ألوهة العينين على مسخرة الطفولة المفتعلة؟ كانت عيناها تستحق شعرها القصير، المثني الى الخلف مع »غرة« قصيرة، حينها تمنحنا وجها كاملا في شحوبه الخفيف، وجه صفاء الصباح.


 في العمارة الشاهقة في لندن، مكان إقامة الجميلة في مرضها لدى صديقتها، يسعني تخيّل احدهم، في عمارة مواجهة يرسل لها قبلاته الطائرة في هواء لندن بين العمارتين. وأجزم، على عكس ما صرّحت به سعاد حسني في احدى مقابلاتها، انها ما كانت لتترك التمثيل وتتفرغ لعبد الحليم حافظ وحبها له. كان ينقصها اكثر من حب، وكانت لتوزع ضحكاتها على الجميع، وتبقي عمرها مشتتة في غرام خفيف لأكثر من شاب، فقط التمثيل كان الوحيد الذي يصح انه حياتها الناجزة. في »القاهرة 30« كنت أخاف عليها ان تسوق جملة تبيّن اميتها، هي التي لم ترتد المدارس ولم تعرف صغيرة، لا القراءة ولا الكتابة. تكلمت من خلال دورها كلاما كبيرا يحق لمثقفة متمرسة. كانت تبدو فخورة بما تقول، واعطت كل ما وسعه احساسها. علاقتها بصلاح جاهين تعويضية بهذا المعنى، وكان للشاعر الجميل ان يفهم حالها ويشعر معها، وهو منحها كل ما ارادت، كان مدرستها وجامعتها وحاجتها المجروحة في العمق. كانت تهوى اللون الابيض، والاحمر »لانه جزء من شخصيتي« قالت. احبت الابيض الفضفاض المنقط بالاسود الذي كانت غالبا ما ترتديه في افلامها. لم احب الاحمر على جسدها. الاحمر لليل، وسعاد كانت طفلة، ثم طالبة، وظلت عمرها اسيرة فكرة »التلمذة« والمدرسة. ثم ان جسدها الصغير يقصّر عن الاحمر. الاحمر للنساء الليليات، وسعاد كانت نهارية، زنبقة. لم تلقِ بنفسها ولم تمت. لقد هربت مع أحد الصبية الذين عاكسوها بين إقامتها في بيت صديقتها وبين المستشفى. كانت جريئة لتفعل ذلك. لم تنتحر. لا تملك سوداوية المنتحرين.

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية

# مواضيع عشوائية

مساحة اعلانية احترافية

منوعات

مساحة اعلانية احترافية