كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

ما عرفه ڤالتر بنيامين ونحتاجه اليوم



أناهيد نيرسييان. 

ترجمة: أسماء يس. Asmaa Yassen 

بعد فترة وجيزة من غزو ألمانيا لبولندا، في الأول من سبتمبر 1939، أعلنت فرنسا أن جميع المواطنين الألمان المقيمين داخل حدودها وتتراوح أعمارهم بين 17 و50 عامًا هم أجانب معادون. مع ألوف الرجال الآخرين -بمن فيهم نمساويون ومجريون وتشيك وسلوفاكيون- اعتقل الفيلسوف والناقد الأدبي ڤالتر بنيامين، المولود في برلين، وكان يبلغ من العمر آنذاك 47 عامًا، في ملعب كولومب خارج باريس، الذي استغل كملعب رئيسي لدورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1924.

كانت الظروف مزرية. صودرت ممتلكات السجناء الثمينة عند دخولهم، ولم يقدم لهم سوى الخبز وعلب باتيه كبد الخنزير. تسربت مياه الأمطار عبر القش الذي ينامون عليه. واستخدمت براميل كبيرة مفتوحة كمراحيض. 

مرت 10 أيام قبل نقل الرجال لمعسكر اعتقال بوسط فرنسا، حيث ألقى بنيامين محاضرات مقابل سجائر جولواز. وفي كوخ صغير كان يعقد اجتماعات تحريرية بهدف تأسيس مجلة أدبية. وفقًا لصديقه ورفيق سجنه هانز سال، كان التزام بنيامين العنيد بالحياة الفكرية -إيمانه بأن الإنسانية قادرة على التصدي للجرائم ضدها- مأساة بحد ذاتها.

كتب سال: "لم أكن يومًا، مثلما كنت آنذاك، واعيًا بذلك القدر من الفشل المؤلم لمنهج ظن، ببراءة متعاطفة وغير دنيوية، أنه قادر على " تغيير" الواقع، لكنه في النهاية ظل مجرد تفسير عاجز".

عندما أطلق سراح بنيامين بعد شهرين ونصف، عاد إلى باريس، وجدد كارنيه المكتبة الوطنية، وتجاهل أصدقاءه الذين حثوه على الفرار إلى أمريكا؛ مصرًا على ضرورة إتمام كتابه الثاني عن الشاعر الفرنسي شارل بودلير. (موضحًا: "لن أهمله، ولو في ذلك نجاتي"). وبعد سقوط فرنسا في يد هتلر في يونيو 1940، قام بمحاولة يائسة للفرار إلى البرتغال، عابرًا جبال البرانس سيرًا رغم معاناته من الربو الحاد وضعف القلب. ثم وصل إلى إسبانيا ليكتشف أنه لا يستطيع الدخول دون تأشيرة خروج من الحكومة الفرنسية. في تلك الليلة، وبينما هو معتقل بفندق محلي، تناول جرعة زائدة من أقراص المورفين وتوفي في صباح اليوم التالي.

بالنظر إلى ظروف وفاته، يمكن ببساطة اعتبار بنيامين، الذي نشأ في أسرة يهودية علمانية غالبًا، رمزًا لـ"التاريخ الطويل والمضطرب لليهودية الألمانية"، كما يكتب بيتر إي. جوردون، قصته التحذيرية عن فشل الاندماج وسذاجة المثقفين. لكن في كتابه "والتر بنيامين: غواص اللؤلؤ"، وهو كتاب صغير ورصين نشر ضمن سلسلة "حياة يهودية" الصادرة عن منشورات جامعة ييل، يتفادى جوردون معالجة موضوعه بهذه الطريقة الرمزية، ويعود ذلك جزئيًّا إلى أن بنيامين لطالما قاوم الانجرار إلى قصة أكبر من قصته الشخصية. فرغم كونه ماركسيًّا، لم ينضم قط إلى الحزب الشيوعي، ورغم أنه وصف نفسه بشخص "يرى القيم اليهودية في كل مكان ويعمل من أجلها"، فقد رفض باستمرار الصهيونية السياسية وطموحاتها في بناء الدولة. لقد كان، كما وصفته حنة أرنت في هذه السلسلة عام 1968، عنيدًا "فريدًا من نوعه".

بنيامين الذي يظهر في كتاب جوردون شخصية متعاطفة، لكنها غالبًا مستفزة، فهو الأستاذ الجامعي شارد الذهن الفاشل في علاقاته العاطفية، لم يعمل في وظيفة حقيقية قط، ورغم إدراكه الواضح للخطر الوجودي للنازية، يغرق في كتبه بينما كل شيء من حوله ينهار. ورغم غفلته الظاهرة، فقد كان منظِّرًا بارعًا في مجال الإعلام الشعبي، وكاتبًا نثريًّا يتمتع بأسلوب جمالي وقوة استثنائيين، اكتسب اسمه مكانة مرموقة في الجامعات. 

(في الدراسات العليا، سألَنا أحد الأساتذة، -نحن طلاب الدكتوراه- ذات مرة عما إذا كنا نعلم أنه مسموح لنا بقراءة أعمال لم يكتبها ڤالتر بنيامين). ومع أنه ظل مغمورًا في حياته، فإن من عرفوا أعماله أدركوا قوته. ويقال إن بيرتولت بريشت، عندما سماعه بنبأ وفاته، أعلن أنها أول خسارة حقيقية يتكبدها هتلر في الأدب الألماني.

ولد ڤالتر بنديكس شونفليس بنيامين في 15 يوليو 1892، وهو أكبر أبناء عائلة لديها ثلاثة أطفال، من الطبقة الوسطى العليا. والده تاجر تحف ينحدر من سلالة طويلة من تجار منطقة الراينلاند. أما أقاربه من والدته فقد جمعوا ثرواتهم من الزراعة. كان منزلهم في حي وست إند ببرلين، على مقربة من حديقة تيرجارتن الكبيرة التي تضم حديقة حيوانات برلين. نشأ بنيامين في كنف عائلة دينية، ومال بطبيعته إلى نوع من السلبية. في مذكراته "طفولة برلين" نحو عام 1900، يشير إلى أن مرضه المزمن كان "مصدرًا لشيء يسميه الآخرون صبرًا، ولكنه في الحقيقة لا يشبه الفضيلة على الإطلاق: الميل إلى رؤية كل ما يهمني يقترب مني من بعيد، مثلما كانت الساعات تقترب من فراش مرضي". (لاحقًا، جعل هذا الميل النساء يبدون، بالنسبة لبنيامين الشاب "أكثر جمالاً كلما طال انتظاره لهن وازدادت ثقته").

كغيره من مراهقين ألمان في سنوات سبقت الحرب العالمية الأولى، تأثر بنيامين بحركة شبابية عرفت باسم "فاندرفوجل" أو "الطائر الجوال". وكما يقول جوردون، لم تكن "فاندرفوجل" منظمة واحدة، بل "مجموعة واسعة من نوادٍ وجمعيات ازدهرت خلال العقود الأولى من القرن العشرين، موحدة بين الشبان والشابات على حد سواء، حاملة وعدًا بالتجديد الثقافي والروحي". وعبر هذه الحركة، عرف بنيامين بعض أقرب أصدقائه، بمن فيهم جيرشوم (اسمه الأصلي جيرهارد) شوليم، الذي التقاه للمرة الأولى وهو يناقش أعضاء "يونج يودا"، وهي جماعة شبابية صهيونية، في تجمع بأحد المقاهي عام 1913. لاحظ شوليم ارتباك بنيامين -"ألقى خطابه الممتاز بحماسة شديدة لزاوية في السقف، كان يحدق فيها طول الوقت"- ولكنه لاحظ أيضًا ذكاءه الحاد. اعترف شوليم بأن الخطاب كان مؤثرًا للغاية، لدرجة أنه قال: "لا أتذكر رد الصهاينة عليه".

شوليم، الذي كان يدرس آنذاك  الفلسفة والرياضيات، هو أول أستاذ للتصوف اليهودي في الجامعة العبرية في القدس. وتشكل صداقته مع بنيامين محورًا أساسيًّا في سيرة جوردون، لسبب وجيه: تتجاوز مراسلاتهما المنشورة 300 صفحة. شوليم أحد أهم محاوري بنيامين، وهو على حد تعبيره، مفكر "سار على خيط رفيع بين الدين والعدمية". ومنه استقى بنيامين النزعة المسيانية التي ميزت كتاباته السياسية، المليئة بمواضيع نهاية العالم، والعنف الإلهي، والخلاص الحتمي غير المتوقع. في الفقرة الأخيرة من "أطروحات في فلسفة التاريخ" -وهي مقالة من 1940 تقتبس تعليق شوليم على لوحة بول كلي "الملاك الجديد"- يلاحظ بنيامين أنه بما أن التوراة تحظر على اليهود التنجيم والعرافة، فإن لديهم علاقة ملحة وفريدة بالحاضر. ويكتب: "كل ثانية من الزمن بوابة ضيقة  قد يدخل منها المسيح".

رغم قربهما، ظل شوليم وبنيامين على خلاف بسبب حماسة شوليم للمشروع الصهيوني. فبعد هجرته إلى فلسطين في عشرينيات القرن العشرين، أمضى العقد ونصف العقد التاليين يحث بنيامين على حذو حذوه، مصرًّا على أن يحاول صديقه ما أسماه "مواجهة حقيقية مع اليهودية". لم يعر بنيامين هذه الخطط اهتمامًا يذكر، معلنًا استعداده للسفر ثم يختلق الأعذار للبقاء في أوروبا. ويعزي جوردون هذا التردد إلى كراهية بنيامين للفكر المنهجي، وإلى رغبة مقابلة في أن يتبنى اليهود الأوروبيون توجهًا أمميًّا يسهم في نشر إسهاماتهم الفكرية والثقافية حول العالم. لكن بنيامين كان لديه أيضًا اعتراضات جدية على "الآيديولوچية العرقية" للصهيونية، التي أخبر شوليم أنها تشبه "معاداة السامية المبتذلة" في إصرارها على أن "كراهية غير اليهودي لليهودي مدعومة فسيولوچيًا على أساس الغريزة والعرق"؛ أي أن اليهودية، بعبارة أخرى، فئة بيولوچية تتجاوز جميع أنواع الانتماء القومي أو السياسي.

مع تجذره في التقاليد الأدبية الألمانية والفرنسية، كان بنيامين ذا نزعة فكرية إنسانية واسعة. بين عامي 1912 و1919، درس الأدب والفلسفة في جامعات فرايبورج وبرلين وميونيخ، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة برن في سويسرا. حملت أطروحته للدكتوراه عنوان "مفهوم النقد في الرومانسية الألمانية"، أما أطروحته لما بعد الدكتوراه؛ جواز سفره إلى مسيرته الأكاديمية، فكانت حول مسرح الباروك الألماني. وقدم بحثه "أصل الدراما التراچيدية الألمانية" لجامعة فرانكفورت عام 1925، لكن هيئة التدريس رفضته في العام نفسه، بحجة أنه غير مفهوم (وبعبارة أدق، طُلب منه سحب بحثه). بعد أن فُصل من وظيفة التدريس، وانقطع عنه دعم والده المالي، وجد عملاً في ترجمة بروست، وبدأ بكتابة مقالات قصيرة للمجلات والدوريات.  خلال العقد التالي، سيصبح مثالاً لنوع جديد من النقد، موجه إلى جمهور من عموم المتعلمين، يطبق الفكر السياسي اليساري على تحليل كل من الثقافة الراقية والشعبية، من ماركس إلى ميكي ماوس.

قبل أواخر القرن الثامن عشر، كان نادرًا أن يفكر أحد في كتابة مقال يكشف المعنى الخفي لرواية أو لوحة، ناهيك بالإشارة إلى أن الأعمال الفنية قد تحمل أچندات أو تحيزات آيديولوچية. كان الفن يعتبر جيدًا إذا كان متقنًا، وقادرًا على الترفيه دون ابتذال أو خروج عن الأخلاق أو تدنيس للمقدسات. وكما جادل بنيامين في أطروحته، فإن كُتابًا مثل فريدريك شليجل هم من بدأوا، نحو عام 1800، اعتبار الأشياء الجمالية كيانات واسعة ومتقلبة، لا يمكن كشف محتواها الحقيقي إلا بالتدقيق المستمر. بالنسبة لهم، أصبح العمل الفني "وسيلة للتأمل"، ولم يعد مجرد مرآة للعالم، بل أداة لفهم أمور تتعلق بالتاريخ والمجتمع والسياسة، فضلاً عن أمور أكثر ألفة تتعلق بالنفس البشرية. أما النقد، فكان وسيلة لاكتشاف ما يريد العمل الفني قوله، وامتدادًا له.

ورغم طموحه لأن يكون "أبرز ناقد للأدب الألماني"، فإن موهبة بنيامين الحقيقية تمثلت في إدراكه لثراء وتعقيد الثقافة الشعبية، ليس فقط الوسائط الجديدة كالتصوير الفوتوغرافي والسينما، بل أيضًا مظاهر مجتمع الاستهلاك العابرة. في عام 1928، نشر "شارع ذو اتجاه واحد"، وهو مجموعة تأملات موجزة حول أشياء مثل القفازات ("كل اشمئزاز هو في الأصل اشمئزاز من اللمس") وقوائم مرقمة من الحِكَم (1-يمكن اصطحاب الكتب والعاهرات إلى الفراش. 2-الكتب والعاهرات تتشابك مع الزمن"). وصف بنيامين "شارع ذو اتجاه واحد"، وهو عمل موجز ومجزأ، بأنه تكريم "للأشكال غير الواضحة" للحياة الحضرية التي يستوعبها المتجول/ الفلانير؛ ذلك الرجل الذي يتجول بلا هدف في مدينة تغطيها "المنشورات والكتيبات والمقالات واللافتات"، وهو ما استعار بنيامين  منه أسلوبه الموجز والموحي للغاية، المتسم أحيانًا بالسوريالية.

بين عامي 1927 و1933، عمل بنيامين مذيعًا إذاعيًّا،  يكتب ويسجل برامج لمحطات في برلين وفرانكفورت. وفي أقل من 6 سنوات، أنجز نحو 90 حلقة تناولت مواضيع متنوعة، منها قطاع الطرق في ألمانيا القديمة، وإي. تي. أ. هوفمان [موسيقي وناقد فني ألماني (176-1822)]، وألعاب الأطفال، وسجن الباستيل، وزلزال لشبونة عام 1755، وتزوير الطوابع البريدية، والكلاب. لم يبقَ منها أي تسجيلات صوتية، لكن النصوص المكتوبة تكشف عن حسٍّ مرح وميل للتفاصيل الحسية، كما في حلقة عن أسواق برلين، إذ وصف أرضياتها الحجرية الرطبة بأنها "كقاع المحيط البارد والزلق". ومع أن أغلب هذه البرامج كانت موجهة للأطفال، لم يتوان عن إضفاء مضامين سياسية عليها. ففي حلقة عن فيضان نهر المسيسيبي الكبير عام 1927، شبه مياه الفيضان بـ"عناصر القسوة البشرية الجامحة" التي يمثلها الكو كلوكس كلان [تنظيم عنصري أمريكي، تأسس بعد الحرب الأهلية الأمريكية في عام 1865، وكان هدفه الأساسي معارضة حقوق الأمريكيين الأفارقة بعد تحريرهم من العبودية]. وقد أذيعت تلك الحلقة في 23 مارس 1932. وبعد عام تقريبًا، أي بعد 46 يومًا من استيلاء هتلر على السلطة، فر بنيامين من ألمانيا إلى باريس، ثم سافر إلى إيبيزا، وكانت آنذاك جزيرة مغمورة وفقيرة، حيث أمضى الأشهر التالية. وكتب إلى شوليم أن باريس أصبحت غير مضيافة: "يقول الباريسيون: 'المهاجرون أسوأ من الألمان'، وهذا يعطيك فكرة دقيقة عن نوع المجتمع الذي ينتظرك هناك".

ومع ذلك، عاد بنيامين إلى باريس في أكتوبر 1933. وهناك، توطدت علاقته ببريشت، الذي التقاه قبل سنوات في برلين. ويشير جوردون إلى أنه تحت تأثير بريشت، انجذب بنيامين بشدة للفكر الماركسي، وإلى الاعتقاد بأنه "في مجتمع ممزق بالصراع الطبقي، ينبغي تسخير الفن في النضال من أجل التحرر". وبرهان ذلك أشهر كتابات بنيامين، وهي مقالة بعنوان "العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي" (أو، بتعبير أدق، "العمل الفني في عصر قابليته للاستنساخ التكنولوچي"، الترجمة الأقرب إلى العنوان الألماني). كتبت هذه المقالة نحو عام 1935، ونقحت عدة مرات قبل وفاته، وهي تحليل ضخم ونبوئي مذهل لمصير الفن بمجرد أن يصبح منتجًا إعلاميًّا جماهيريًّا قابلاً للتكرار بلا حدود.

قبل ظهور التصوير الفوتوغرافي، كان على من يرغب برؤية لوحة "الموناليزا" أن يزور متحفًا. أما الآن، فاللوحة منتشرة في كل مكان، أو بالأحرى صورتها. "الموناليزا" في الكتب، وعلى الملصقات، والقمصان، وأغطية الهواتف، ويمكننا رؤيتها في أي وقت بمجرد البحث عنها على جوجل. وهي نسخ لا تحمل أثرًا لما يسميه بنيامين "هالة" الأصل، تلك الصفة شبه الصوفية التي تنبع من كونها "الموناليزا" الوحيدة في العالم. في الوقت نفسه، وكما يعلم كل من شق طريقه بين حشود السياح لإلقاء نظرة على "الموناليزا" الحقيقية، يبدو أن اللوحة نفسها قد فقدت الكثير مما كانت تتمتع به من قوة جمالية طاغية. ببساطة، لأننا رأيناها مرات لا تحصى.

ماذا عن الفيلم، وهو شكل فني ليس إلا إعادة إنتاج، "سلسلة حلقات قابلة للتركيب" مجمعة من مجموعة من الصور القابلة للتبديل؟ على عكس "الموناليزا"، يوجد الفيلم أينما يعرض؛ فهو ليس شيئًا ماديًّا بل سيرك متنقل من الظلال والضوء. يطرح بنيامين بأن الفيلم لا يملك أي هالة على الإطلاق، ومن ثَم يمثل "تصفية" كاملة للمفاهيم التقليدية للقيمة الثقافية. وبينما يفكك الأفكار القديمة حول ماهية الفن، يخلق صنفًا جديدًا من المتفرج: شخص يصادف العمل الفني جماعيًّا، في قاعة عرض مع آخرين، ويوليه اهتمامًا أقل تركيزًا وأكثر عفوية مما يوليه للوحة من عصر النهضة. فنحن نشاهد الأفلام في حالة من الشرود الذهني: سارحون، ندخل الحمام، والآن نتفقد تليفوناتنا. بالنسبة لبنيامين، يحمل هذا التشتت الذهني واللامبالاة في طياته وعدًا سياسيًّا، فإذا استطعنا التحرر من علاقة التبعية والرهبة تجاه الأعمال الفنية، فلربما استطعنا أيضًا التحرر من علاقة التبعية والرهبة تجاه الدولة. لقد كان استنتاجًا جريئًا، بل وربما صعبًا، بالنسبة لبنيامين، جامع التحف القديمة والثمينة، أن يتوصل إلى أن -الإيمان بالتقدم يعني الخضوع لتدمير الماضي، وآثاره العزيزة، وأساليب رؤيته. ومع ذلك، فقد رأى أن الانتماء إلى اليسار يتطلب هذه العلاقة المتناقضة مع الحفاظ على التاريخ وتغييره. كان البديل أمام اليسار لاستخدام هذا الوسيط غير وارد؛ فالشعبوية المتأصلة في السينما، مع سهولة الوصول إليها، وتكلفتها المعقولة، وجاذبيتها للجمهور العام، ستؤدي إلى أن يستغلها الفاشيون. وكانت هناك دلائل، بينما كان يكتب، على أن هذا قد حدث بالفعل. عام بدأ كتابة مقالته، عُرض فيلم "انتصار الإرادة" للمخرجة ليني ريفنشتال للمرة الأولى في سينما أوفا-بالاست آم زو في برلين، وهي سينما ليست بعيدة عن منزل طفولته.

الفاشيون موهوبون في تسخير الثقافة الشعبية لخدمة غاياتهم، وفي جعل البشرية تنظر إلى "تدميرها الذاتي كمتعة جمالية من الدرجة الأولى". ويقول بنيامين إن الرد يكمن في تسييس الفن، أي إنتاج أعمال تدرب جمهورها على التفكير النقدي في الحياة الاجتماعية. ويتطلب هذا تطوير تقنيات جمالية قادرة على ترجمة الأفكار المعقدة إلى صور وأصوات وإيماءات وأشكال سردية وشعرية؛ كما يتطلب إنتاج فن يلفت الانتباه إلى طبيعته المصطنعة، بحيث نكون دائمًا على دراية بالعالم الحقيقي في الخارج. ورواية "شارع ذو اتجاه واحد"، بفصولها المقتضبة والغامضة والمتجاورة بشكل غريب، إحدى محاولاته المبكرة لتبني المونتاچ -وهو فن تحرير صور فيلمية متباينة متسلسلة- كأسلوب أدبي. وكان من المفترض أن تكمل تحفته غير المنتهية "مشروع الممرات" باللغة الإنجليزية، بهذا الأسلوب.

"مشروع الممرات"، وهو مجموعة غنية وغير منسقة جيدًا من ملاحظات واقتباسات وتأملات شخصية وأفكار نظرية جمعت على مدى 13 عامًا، هو ملف بحث بنيامين حول ممرات التسوق في باريس، التي بنيت في النص الأول من القرن التاسع عشر، وهدمت غالبًا خلال إعادة الهيكلة الجذرية للمدينة على يد چورچ يوچين هوسمان، بين عامي 1853 و1870. فُتن بنيامين بهذه الممرات المغطاة، وهي بقايا الأيام الأولى لثقافة السلع الحديثة، عندما كان الممر يبدو وكأنه "عالم مصغر، سيجد فيه الزبائن كل ما يحتاجون إليه". في الإعلانات القديمة التي زينت جدران الممرات، بوعودها بملابس جميلة، وشعر مثالي، وألعاب سحرية، ومبان متطورة، وابتكارات تكنولوچية، وعطلات في أماكن ساحرة، وأدوية تشفي كل داء، رأى آثارًا لـ"طاقة الحلم الجماعي" للمجتمع، لتوقنا الإنساني إلى مستقبل مثالي يكمن وراء هذا الحاضر الصعب. صمم مونتاچ مقاطع النثر الذي يشكل "مشروع الممرات" لاستحضار صورة ذلك المستقبل، ليكون الشكل الذي "يتحد فيه ما كان" -بالألمانية das Gewesene، أو "ما كان يومًا"- "في ومضة مع الحاضر [das Jetzt] ليشكل كوكبة" تظهر ما قد يكون.  

ليس من الواضح تمامًا كيف كان من المفترض أن يحدث هذا، لكن حجم المخطوطة الهائل، الذي يتجاوز ألف صفحة، يشير إلى أن تدفق الكلمات والأفكار المستمر لدى بنيامين قد يدفعنا لحالة رؤيوية، مثل التي دخلها عندما كان يتجول في شوارع باريس، أو يتفحص مجموعاته من التذكارات.

عندما سار بنيامين عبر جبال البرانس، متعثرًا لاهثًا، كان يحمل حقيبة كبيرة قيل إنها تحتوي على مخطوطة. ولطالما دارت تكهنات بأن هذه الصفحات كانت نسخة جديدة، وربما أكثر اكتمالًا، من "مشروع الممرات"، لكن لا أحد يعلم يقينًا؛ فقد اختفت الحقيبة بعد وفاته، ولم يعثر على أي عمل ذي أهمية. مع ذلك، تذكر رفاقه الأمر جيدًا. تذكرت ليزا فيتكو، التي رافقته إلى الحدود الإسبانية، لاحقًا أنه لم يكن ليسمح تحت أي ظرف من الظروف "بترك أمتعته"، ولذلك "سواء كان ذلك خيرًا أم شرًا، كان علينا جر تلك الحقيبة الضخمة عبر الجبال". قال بنيامين لفيتكو: "إنها أهم مني، أهم مني"!

أما حنة آرنت، فقد وصفت بحسرة، بنيامين، صديقها القديم من برلين، بأنه يتمتع بدقة "السائر في أثناء نومه"، إذ كان دائمًا ما يقع في المشكلات والمصائب. وأشارت إلى أنه كان طبيعيًّا أن ينال الشهرة بعد وفاته، حين يكون ذلك "غير مجدٍ تجاريًّا وغير مربح". كما كان من طبيعته أيضًا أن يجسد ذلك النوع من المثالية المأساوية التي تدفع شخصًا واهن الجسد، هاربًا من نظام إبادة جماعية، إلى المخاطرة بسلامته وراحته من أجل مخطوطة. ومع ذلك، فإن هذا المزيج من العناد والهشاشة، والكآبة والشجاعة، هو ما حول بنيامين إلى قديس علماني، معززًا سمعته بقدر ما عززت أعماله الغزيرة والمتنوعة بشكل جميل، التي تعد بحد ذاتها معرضًا باريسيًّا، صامدًا بأناقة في وجه الخراب واليأس.

في "أطروحات في فلسفة التاريخ" كتب بنيامين: "لا يوجد وثيقة حضارية إلا وهي في الوقت نفسه وثيقة بربرية". كل تحفة فنية هي جزء من التاريخ البشري، ولم يمر تاريخ البشرية بلحظة لم يعانِ فيها الناس معاناة شديدة بلا لزوم. أدرك بنيامين هذا حين رفض مغادرة باريس قبل إتمام كتابه، وحين حمل حقيبته عبر جبال البرانس، حين كان أضعف من أن يمشي، فاضطر رفاقه إلى جره، وتناوبوا على حمل الحقيبة. مع ذلك، بدا أنه يعتقد أن التخلي عن عمله يعني الاستسلام لما تريده الفاشية له: وجود خالٍ من القيمة والمعنى، لا يمكن تمييزه عن الموت. لم يتشبث بحقيبته حتى فات الأوان، بل لأن الأوان قد فات. وحين يجتاز البرابرة البوابة، لا يتبقى إلا الصمود.

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية

# مواضيع عشوائية

مساحة اعلانية احترافية

منوعات

مساحة اعلانية احترافية