*****
صوتها عصفورة حمراء. فراشة بيضاء. برقٌ ساطع في سماء مكفهرّة.
*****
طفولة هاربة، حماسة بريئة، غيمة زرقاء، نهر هادر وأزهار نديّة.
*****
ما اختلف فيه اللبانيّون، جمعه صوتها.
ما انقسموا حوله، وحّده.
ما تقاتلوا عليه، كان له البلسم كان الهواء.
*****
وجهها مرهف، نبيل وذكيّ. صوتها أكثر.
*****
الواحدة المتعدّدة: الأمّ، الأخت، الحبيبة، العشيقة، الزوجة، الثائرة، الملكة، الدرويشة، الحالمة...
الطفولة.
الأهل.
الأقرباء.
الوطن.
الغربة.
صوتها كلّ هذا وذاك.
*****
الصفات الملائكيّة التي أُسبغت على صوتها، أتفهّمها كبلاغة. لكن يطيب لي أن أنظر إلى صوتها على أنّه أرضيّ. صخريّ. ناريّ. مائيّ. ترابيّ. ملتصق بروائحه. مضمّخ بالأزهار بالأشجار بالشوارع بالناس بأفراحهم بأتراحهم. أليف. يحاكي. يبوح. يصرخ. يهمس.
*****
مثل الملكة التي لا تتردّد في أن تترك قساوة المرمر لتجرّب المغامرة البشريّة.
*****
تصير بائعة بندورة، فتاة مسحورة، فقيرة بلا سقف، قاطعة تذاكر، ابنة أخت المختار، يتيمة في الغربة، تساعد جدّها في الدكّان، صاحبة محلّ لبيع الصحون...
*****
تصير زاد الخير، قرنفل، عطر الليل، غربة، لولو، هيفا، هالة، منتورة، ريما، ماريّا، زيّون...
كلّ النساء العاديّات اللواتي يعشن مثلنا ويحلمن مثلنا.
القريبات، الحميمات.
البعيدات، الأمنيات.
*****
من الأدوار البسيطة الملتصقة بأوجاع الناس وهمومهم، من الواقعيّ اليوميّ جدّاً، تصعد إلى الحلم. تأخذها الكذبة لوحدها وتصعد... من تحت إلى فوق.
*****
من القبو إلى الأسطورة.
الأسطورة تولد في القبو.
في بئر الخيال العميق.
في اللاوعي.
في الشِعر.
*****
إبريق ماء في صحراء، صوتها. مطر على سطح مقهى مهجور.
*****
إنّ سحب صفات المرأة العاديّة عن فيروز ومحاولة رفعها وتقديسها، فيه الكثير من الإجحاف بحقّها وحقّنا.
يحتاج الناس إلى أسطورة، إلى حلم، صحيح.
لكن ينبغي دائماً إنزالها إلى مستوانا البشريّ فهي مثلنا.
وكونها مثلنا يعطينا أملاً.
بينما جعلُها أيقونة يبعدها عنّا. كما هي الحال بالنسبة إلى باقي الأيقونات الأخرى في باقي المجالات الأخرى.
نريد بشراً وليس آلهة.
*****
مع الشِعر الصادق، البسيط والعميق الذي يُعتبر من عيون الشعر العربي، بالفصحى كما بالعامّية، إلى جانب الألحان الباهرة التي سرعان ما تقفز إلى حضن مستمعها وتدخل قلبه، يأتي صوتها تتويجاً لكلّ هذا.
تميد النغمة حين تغنّيها،
تلتمع الحروف ما إن تتلفّظ بها،
الساكن من الحركات يرنّ.
*****
ربّما تكون فيروز المطربة التي غنّت أكبر عدد من الأغنيات لوطنها. وليس ذلك من باب المصادفة بل تأسيساً لِهُويّة.
*****
وأيضاً غنّت العواصم: بيروت، القدس، الشام، مكّة، بغداد، باريس... وفي ذلك تمجيد للتاريخ واتّحاد في الإنسانيّة.
*****
من خلال عمليّة رصد بسيطة من فيروز إلى مطربات اليوم، يستطيع اللبنانيّ أن يفهم بسهولة الانحدار الذي أصاب بلده على جميع المستويات.
*****
كان أبي يحبّ عبد الوهاب، وأمّي فريد الاطرش، ومن نوافذ الجيران كانت تصدح أغاني أمّ كلثوم وأسمهان وعبد الحليم وصباح فخري... كلّ هذا الطرب الجميل الأصيل تسرّب بفرح إلى طفولة أذنيّ. لكن حين غنّت فيروز أحسسنا أنّ هناك مَن يغنّي لنا، شخصيّاً. يحاكي أوجاعنا وأسرارنا. يحكي معنا. يبوح بقصصنا. يقتنصنا.
*****
هذا "الحزن السعيد" الذي رافق أعمارنا وأقدارنا.
*****
يؤخَذ على فيروز أنّها فوق الغيم.
ما يشبه الحلم.
لا بأس.
فهذا ما نحتاج إليه في أحيان كثيرة.
إذ حين تنشقّ الأرض وتبتلعنا، وتطبق السماء على رؤوسنا، بماذا نتمسّك إن لم يكن بالحلم؟
هذا الخيط الواهي لساق رتيلاء شاردة.
*****
(اللوحة بريشة الفنّانة سيسي سرسق، 1980)

0 تعليقات