كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

فوزي يمين... (أربع سنوات على رحيل مارادونا)

 



مرّت الأيّام بسرعة كأنّ العمر أشبه ببساط آليّ للركض، منذ مونديال 1978 الأوّل الذي شاهدتُه عن وعي حين كنت في الحادية عشرة من عمري، حتى يومنا هذا. أمّا مونديالات 1966 و 1970 و 1974 الفائتة، فلم أشاهد منها إلّا ما توافر فيما بعد تسجيلًا على أشرطة، أو أرشيفًا مرئيًّا أُعيد بثّه على شاشات التلفزة، أو مدوّنًا إلى جانب الصور الملوّنة الجذّابة في المجلّات الرياضيّة الوافدة إلى مكتبة بجوار حارتنا مع مجلّات في حقول أخرى شكّلت بداية هويّتنا الرياضيّة والثقافيّة. هكذا بلغتنا بالذاكرة أسماء غابرة للاعبين مشهورين مثل إيزيبيو وغارينشيا وبيليه وكرويف وباكنباور وغيرهم. كان النقل التلفزيونيّ في أوّل عهده وقد شكّل النبض الحيّ للّعبة، ممّا ساعد على تسريع بروز النجوم أكثر من ذي قبل، أبرزهم في تلك الفترة مارادونا، عبقريّ الكرة بلا منازع. كان والدي اشترى تلفزيونًا ملوّنًا لا أعرف من أين حصل عليه لكن يبدو حينها أنّ صفقة وفدت إلى ضيعتنا لأنّ صديقاً أسرّ لي بعد ثلاثين سنة تقريبًا أنّ والده اشترى تلفزيونًا من الماركة نفسها في تلك السنة. في ذاك اليوم، توافد الجيران بكثرة إلى بيتنا الضيّق ليتفرّجوا كيف يبدو اللاعبون بالألوان. مارادونا، على مدى أربعة مونديالات مع منتخب بلاده ومع الأندية التي لعب في صفوفها، استطاع أن يكون أسطورة من أساطير مراهقتي وشبابي، بل مراهقة وشباب جيل بكامله. حفر فينا عميقاً كما فعل باقي العمالقة في الغناء والموسيقى والشعر والسينما. ولزيادة استدرار العواطف الشعبيّة حياله، جرى الترويج لمواقفه السياسيّة اليساريّة وإلحاقه بمعسكر الممانعة من خلال إجراء حوار معه في خلفيّته بوستر لغيفارا أو مقابلته لشخصيّات رئاسيّة حيّة التقاها وجهاً لوجه ومازحها وتعاطف معقضاياها أمثال كاسترو وتشافيز، ولم يكن ينقصه بعد إلّا أن يناصر القضيّة الفلسطينيّة ويتصوّر مع عرفات والخميني مثلًا. في تلك المرحلة كنّا صغارًا لا نفقه بالسياسة، معتبرين أنه لو لم ينقف مارادونا الكرة بتلك الطريقة الفذّة لما سمع به أحد، والله العظيم! لكنّه من أميركا اللاتينيّة، وتحديدًا من الأرجنتين، لذلك يطيب لنا أن نتخيّل أنّ كلّ شموس تلك البلاد وألوانها وتموّجاتها وكرنفالاتها وزقزقاتها وشرقطاتها ورواياتها وقصائدها وقصص العشق فيها وأجسادها الحامية ورمالها الحارقة، تسكنه حتى العظم. وها هو فجّرها دفعة واحدة بقدميه، وجسّد بأسلوب لعبه روحها ووجدانها. هكذا ليس بمقدورنا أن نراه إلّا متراقصًا في تلك الإشراقات البهيّة، الزاهية والبرّاقة، وربّما يجوز القول في مكان ما إنّ أوضاع بيئته الاجتماعيّة الفقيرة جعلته يشقّ الأرض ويطلع منها، وطفولته المعذّبة الحالمة مَغَطته بقوّة فجاء منقوفاً زيادة عن اللزوم. وفي مكان ما أيضًا، ربّما يجوز أن نتماهى معه كلاعب فرديّ استطاع بمهارة عالية ان يخرق لوحده النظام رغم صرامته وقسوته، ويدمّره بمراوغة، كأنّه بفعلته هذه فرّح قلوب جميع الذين يخسرون كلّ يوم في الحياة ويأتون أيّام الآحاد إلى الملاعب ليربحوا، بل كأنّه مدّنا بشحنات من القوّة والانتصار وثأر لنا جميعًا، نحن سكّان البلدان المستضعفة، من مظلوميّة هذا العالم.

لا نقول مات لأنّ الأساطير لا تموت، لذلك نقول وداعًا

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية

# مواضيع عشوائية

مساحة اعلانية احترافية

منوعات

مساحة اعلانية احترافية