كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

«مستقرّ محمود درويش»



ابراهيم عبد المجيد(القدس العربي)

 ــــــــــــــ

هذا كتاب فائق الروعة ليس غريبا على صبحي حديدي.. بحث نقدي وفكري، ورحلة مع محمود درويش فوق الأرض، وفي فضاء الملحمة والغناء، وعبور في التاريخ. عنوان الكتاب «مستقرّ محمود درويش.. الملحمة والغنائية وإلحاح التاريخ» صادر منذ أسابيع عن الدار الأهلية الأردنية في أربعمئة صفحة. صبحي حديدي ناقد ومترجم له أعمال فائقة مثل» إدوارد سعيد الناقد.. آداب التابع وثقافات الإمبريالية» و»الرواية والتاريخ: وقائع الأرشيف ومجازات السرد»، ومن ترجماته «الفكر السياسي الإسلامي» لمونتغمري وات.

يتحدث في المقدمة عن كيف قرأ محمود درويش في الخامسة عشرة من عمره عام 1966، ولازمته بهجة القراءة سنوات النضج الأولى، حين كان الشعر هو النوع الأدبي الذي يجذبه أكثر، ثم انقلب انحيازه إلى الرواية في السبعينيات، مع قراءته في الماركسية وجورج لوكاش، لكن مع بداية الثمانينيات كان شعر محمود درويش هو وسيلته لتصحيح تلك المحاصصة الغاشمة. لقد شجعه شعر درويش على الطموح الدراسي إلى أقصاه، وكسر التقليدية في دراسة القصيدة الدرويشية، أو الشعر العربي إجمالا. ثم كيف تبدل موقفه من قصيدة النثر باحثا عن ملامحها النظرية والتطبيقية، في كتب له مثل «شعريات التعاقد العسير.. ألق التجريب وأرق القراءة»، و»زوال لا يزول.. قراءة في شعريات باقية»، يوجز نواظم الكتاب أنه يتناول شعر درويش بوصفه احتل طويلا ولا يزال، موقع القطب الأكثر أهمية ونفوذا وإشكالية، ثم مساءلة بعض التراث النقدي الذي أحاط بشعر درويش، وصنع جملة من الثوابت الصائبة، أو السطحية الضارة، مثل شاعر المقاومة وشاعر الأرض ومجنون التراب، بينما هو الشاعر الكبير المجدد أولا وأساسا. سيتوقف الكتاب عند لغة درويش ضمن مسعى لاقتراح أبجدية نقدية تعين في قراءة القصيدة الدرويشية على مستوى اللغة، في حيثيات تفصيلية مثل جدل الاتصال، أو الانفصال بين القصائد الطوال والقصار وغيرها، مما ستجده في الكتاب مثل، الجماهيرية والنجومية، ثم حديث موجز عن أقسام الكتاب.


مع القسم الأول الذي يحمل عنوان سطوة الملحمة وإلحاح الغناء بعد الحديث عن موقع محمود درويش المولود عام 1941 وهو الموقع الفريد في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، وما وراء ذلك من تاريخ في فلسطين، أو بعد رحيله عنها. مشاهد وأحداث من طفولته في قرية البروة القريبة من عكا، وما أدى لرحيله عنها طفلا في السابعة، مع النزوح نتيجة الهجوم الصهيوني لإقامة مستوطنة إسرائيلية، ومن أين جاءت علاقة درويش بالشعر، التي منها علاقته بالفلاحين المنفيين من الشرطة. كيف بدأ إلقاء الشعر في المدرسة في الثانية عشرة من عمره، وكيف استدعاه الحاكم العسكري، وهدده بمنع أبيه من العمل. كيف سُجن خمس مرات بين عامي 1961-1967 وهكذا يمكن تقسيم تطور مراحل درويش الشعرية إلى مرحلة الطفولة الشعرية التي تمثلها مجموعته الشعرية «عصافير بلا أجنحة» والمرحلة الثورية التي تمثلها مجموعته «أوراق الزيتون» والمرحلة الثورية الوطنية التي تمثلها مجموعاته الشعرية «عاشق من فلسطين» و»آخر الليل» و»العصافير تموت في الجليل» و»حبيبتي تنهض من نومها»، وصار شعر درويش بها جزءا أساسيا من الحركة التي عرفت في العالم العربي بشعر المقاومة. طبعا أمثلة بقصائد على كل ما يقول.

التجديد الفني بين الدواوين والقصائد، وملامح التجديد، ثم مرحلة البحث الجمالي التي تبدأ مع خروج درويش إلى العالم العربي، القاهرة ثم بيروت، وفيها يؤكد درويش أنه شاعر صاحب مشروع جمالي قبل أي تصنيف آخر يقترن بالمقاومة. كيف بدأ ذلك بديوان أو مجموعة «أحبك أو لا أحبك» وهي الأولى خارج فلسطين، وما بعدها مثل «محاولة رقم 7 «، والغنائية والاستعادة التاريخية الأسطورية في شعره. ما جرى بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 والتيه الجديد للفلسطينيين، وقصيدته «مديح الظل العالي» عام 1983. وكيف أتت المرحلة الملحمية الغنائية وتمثلها مجموعات «أرى ما أريد» و»أحد عشر كوكبا». ثم تأتي مرحلة الموضوعات المستقلة وتشملها مجموعة «لماذا تركت الحصان وحيدا» عام 1995. تأتي المرحلة الأخيرة تستأنف البحث الفني والجمالي الذي بدأه في بيروت ثم باريس، في اتجاه جَسْر الهوة بين الشكلين الرئيسيين في الشعر الراهن، وهما قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في مجموعات مثل «لا تعتذر عما فعلت» و»كزهر اللوز أو أبعد». ويوجز مشروع درويش أن الملحمة الغنائية تظل السمة المركزية فيه.


ننتقل إلى الفصل الثاني بعنوان «الناي خيط الروح.. شكل الصوت الغنائي»، مناقشا مصطلح الغنائية، ودارسا الموضوع الغنائي عند درويش، وأسماء من ناقشوا ذلك بما فيها من صواب أو خطأ، ورحلة مع تاريخ القصيدة الغنائية في ثقافات العالم، والأشكال التي اختارها درويش لقصيدته، وبناءها الفارق عن غيره وأمثلة من الشعر على ذلك، مثل قصيدة «أحد عشر كوكبا»، وكيف تعيد تعريف مشهد شعري بأسره، أو تقوم بوضعه على عتبة جديدة، بأسلوبية جديدة تتعدد فيها مستويات التواصل، أو الاختلاف عن الأسلوبية السابقة السائدة. حديث رائع عن علاقة الشد والجذب مع القارئ، وكيف يخطف درويش القارئ بين الماضي والمستقبل، وغير ذلك مثل امتلاك عناصر المكان والزمان، والفقد والآلام، وصور الضوء والزهور، والترحال الملحمي وما بينه من موتيفات صغيرة ترفد التصاعد الدرامي.

انتقال درويش بعد انخراطه في مرحلة ملحمية ـ غنائية إلى مرحلة الموضوعات المستقلة في «لماذا تركت الحصان وحيدا» والسيرة والشعرية وحوار الأنا والآخر، واللغة التي تتحول إلى دالة على الولادة، وعلى الوجود المادي والحصانة الروحية، وهي تتحول إلى سياقات كونية وذهنية وجمالية وتاريخية وليدة عنها. يستمر في الحديث مع القصائد والدواوين باحثا في استراتيجيات التعبير وتمثيلات المعنى في قصيدة «خطبة الهندي الأحمر» وقصيدة الحب والنداء الملحمي في مجموعة «سرير الغريبة» التي صدرت عام 1999. هكذا تمشي مع الكتاب لتصل إلى أرض المجاز، وخمسة أنماط من التمثيل الأعلي لموضوع الأرض عند محمود درويش، وهي التراب، فلسطين، المرأة، الجغرافيا التاريخية /الحضارية والمكان الكوني.


رحلة ودراسة لتجليات كل تلك الأنماط من خلال الشعر وآراء النقاد، ليدخل في دراسة لبعض الإنجازات من دراسات أو نشر أعمال محمود درويش، منها كتاب موسوعي مميز بعنوان «معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش»، عن موتيفات تكررت في شعره مثل الأب، الأبيض، الأخضر، الأرض، أريحا، الأم، الأندلس، البحر، البرتقال، بيروت، الزيتون، السَفَر وغيرها. كيف تتغير المفردة الواحدة بين قصيدة وأخرى. ودراسة عن الملموس المحسوس/ المجرد الذهني في معجم درويش والتناغم بينها وغير ذلك. يقف عند المحطات الرئيسية في قصيدة النثر عند درويش والمغالطات لبعض الباحثين، ثم ترجماته إلى اللغات المختلفة وأثرها وأهميتها وبعض أخطاء الترجمة. كيف صار لدرويش مقعد دراسي باسمه في أوروبا وأمريكا مثل جامعة بروكسل وجامعة براون الأمريكية، وتكريماته وحواراته في بلاد مختلفة منها المغرب، وحديث رائع عن رجاء النقاش ومحمود درويش لنصل إلى مأزق مفتعل وهو قصة حبه لفتاة يهودية وكيف فهمها البعض خطأ، بينما هي أمر وارد ومرَّ وانتهي ولا علاقة له بالسياسة. نمشي مع غير ذلك في مقالات وموضوعات مختلفة، حتى نصل إلى علاقته به. كيف بدأت، وكيف صار هو محل ثقة كبيرة من درويش، فجعله أمينا على مخطوطاته التي كان درويش يغيِّر فيها، بل كان كثير التعديل ويكتب بالقلم على الورق ولا يكتب على الكومبيوتر. كيف أعدم درويش قصائد عديدة لا يريدها، ونماذج أخيرة جميلة من رسائل وتوقيعات محمود درويش له، وكيف اختاره ليكتب كلمة غلاف المجموعة الشعرية «لماذا تركت الحصان وحيدا» في النهاية الكتاب رحلة فكرية وأدبية وإنسانية رائعة، وجهد صبحي حديدي كبير جدا فائق الموضوعية، يستحق عليه كل تقدير وكل احتفاء.


كاتب مصري




إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية

# مواضيع عشوائية

مساحة اعلانية احترافية

منوعات

مساحة اعلانية احترافية