كان من المستهجن أن نتذكر الشهيد الشيخ صبحي الصالح في غمرة الكلام عن الشهداء اللبنانيين الذين سقطوا قتلاً منذ الثمانينات من القرن الفائت. وقد ورد اسمه عرضاً في اللوائح التي تداولتها بعض الصحف، بعيد الانسحاب السوري من لبنان أخيراً. لكننا لم نقرأ عنه ما قرأنا عن سائر «الشهداء» الذين قتلوا في طرق شتى وظروف غامضة، وكأن هذا الشيخ العلاّمة مجرد شهيد لا بد من إدراج اسمه في القائمة.
ظلم الشيخ صبحي الصالح بعد مماته مثلما ظلم يوم مماته في 7 تشرين الأول (اكتوبر) 1986، ولم تسع أي جهة الى الاحتفال بذكراه طوال تلك السنوات. كان قتله قاسياً جداً ومأسوياً، هو العلامة الذي طالما دعا الى الحوار وخاضه بجرأة لا مثيل لها. أما الذين قتلوه فكانوا بمثابة المجرمين الكبار الذين يعادون الكلمة ويخافونها ويخشون قدرتها الرهيبة على الفضح والمواجهة. وعندما تضرّج العلاّمة بدمه النقي غاب وجهه السمح عن الذاكرة الثقافية وامحت الجهود التي بذلها من أجل ترسيخ الحوار الديني الحقيقي ونشر التآخي بين الطوائف والملل وبين الشعوب المنقسمة على نفسها. غاب هذا الاستاذ الكبير تماماً عن مدار الكلام السياسي والصحافي والأدبي وكأنه شخص أعزل، لا أحد وراءه، لا انسباء ولا تلامذة وما كان أكثرهم هؤلاء، لا سيما التلامذة الذين قرأوا كتبه ولم يعرفوه شخصياً، فتعلّموا عليه أصول الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية وفقه اللغة...
ولئن غاب الشيخ صبحي عن الذاكرة العامة وعن منتديات الفكر والدين والحوار الوطني، فهو لم يغب لحظة عن المعاهد الجامعية والكليات، وكتبه يعاد طبعها مرة تلو مرة وباتت من المراجع النادرة في فقه اللغة وعلوم القرآن وعلوم الحديث والشريعة والنظم الإسلامية. ولم يشهد معترك الفكر الاسلامي في لبنان علاّمة في حجمه وفي سعة فكره وعمقه. وكتابه الشهير «دراسات في فقه اللغة» الذي تتناقله الأجيال، يعدّ من أهم الكتب التي تناولت قضية الفقه، وهو بحق مرجع كلاسيكي تعتمده الجامعات العربية، علاوة على القراء الذين يقبلون عليه، أساتذة وباحثين ومثقفين، نظراً الى شموليته ومنهجيته الواضحة وسلاسة لغته. واستطاع هذا الكتاب أن يتخطى ما كتب حديثاً في حقل فقه اللغة وأن يكون سبّاقاً في رؤيته ومقاربته هذا الموضوع الصعب والمعقد. فهو يتناول كل ما يتعلق بمادة فقه اللغة بدءاً من تحديدها والتمييز بينها وبين علم اللغة وانتهاء بتطورها تاريخياً. ويدرس هذا الكتاب العربية بين اللغات السامية ويتطرق الى مقاييس الفصحى والى ظاهرة الاعراب والى مبدأ التناسب بين حروف العربية ومعانيها وأنواع الاشتقاق، وصيغ العربية وأوزانها... والمفارقة البارزة في هذا الكتاب أن قارئه يجد نفسه أمام نص بديع لغوياً، نص يعالج فقه اللغة عبر لغة شديدة البساطة وشديدة الجمال، لغة مصقولة ومهذبة ومتينة ولكن من غير كلفة أو ادعاء. وكم أصاب الشيخ صبحي عندما قال في الخاتمة إنه شاء هذا الكتاب «مرآة للغة العرب، بوجهها الصريح دون طلاء وملامحها المعبرة دون اصطناع... وفي مرآة هذا الكتاب رأينا لغة العرب مرنة مطواعاً، لها من خصائصها في الاشتقاق، ومزاياها في التوليد، وأسرارها في الصياغة، وطرائقها في التعبير، ما يفي بترجمة روائع الفكر، ومبتكرات العلم، وبدائع الفن...». وغدا هذا الكتاب – المرجع من الكتب النادرة التي تجيد الدفاع عن العربية ونقض التهم التي تكال لها من عقم وتخلّف عن مجاراة العصر.
أما كتب الشيخ صبحي الصالح الأخرى من مثل «علوم الحديث ومصطلحه» و»مباحث في علوم القرآن» و»معالم الشريعة الاسلامية» و»النظم الإسلامية» وسواها فهي تتوجه الى الطلاب الأكاديميين والباحثين مقدار ما تتوجه الى القراء في الحقل الاسلامي، مسلمين ومسيحيين. وأهم ما يميز هذه الكتب قدرتها على مخاطبة القارئ غير المسلم وعلى الوصول الى قلبه وعقله في آن واحد، شارحة له العلوم الاسلامية، ببساطة وعمق وبروح علمية صرف، وأسلوب منقح، مشرق وأنيق. وفي بعضها يردّ الشيخ الصالح بإحكام، على طائفة من المستشرقين كانوا خرجوا على المنهج العلمي وأثاروا بعض الشبهات حول جمع القرآن وتدوينه، وحول تفسيره وتأويله. ويتناول في كتاب آخر معالم الشريعة الإسلامية في صيغة عصرية جديدة، خلو من التعقّد ومسايرة لروح العصر, ويبرز ما انطوت عليه الشريعة من ثورة اجتهادية فقهية، مسلّطاً الضوء على قيمها ومعاييرها في مواجهة التقدّم التكنولوجي والحضاري.
ويجب ألاّ ننسى تضافر جهود الشيخ صبحي الصالح والأب فريد جبر في ترجمة موسوعة «فلسفة الفكر الديني في المسيحية والاسلام» التي وضعها بالفرنسية لوي غارديه والأب جورج قنواتي في أجزاء ثلاثة. وقد تبادل الشيخ صبحي والأب فريد «الأدوار» فانكب الشيخ صبحي على تعريب الفصول المتعلقة بالدين المسيحي بينما أقدم الأب فريد على تعريب الفصول الدائرة حول الدين الإسلامي. وكان هذا التبادل في الأدوار دليلاً بيّناً على إيمان هذين المفكرين بالحوار الديني والحضاري، وعلى مدى اطلاعهما على الدينين الإسلامي والمسيحي.
مرة اتصلت بالشيخ صبحي الصالح قبيل استشهاده طالباً منه المشاركة في ملف كنت أعده حول المفكر المسيحي تيار دو شاردان الذي اضطهد فترة، وقلت له بعفوية: أعرف انك مشبع بفكر هذا العالم ثم تراجعت فقال لي للحين: نعم أنا مشبع بفكره فلا تعجب. وخلال أيام كتب الشيخ صبحي مقالة بديعة عن هذا اللاهوتي – العالم.
يستحق الشيخ صبحي الصالح أن نتذكره، نحن طلابه وقراءه الدائمين، ليس في مناسبة فتح ملف اللبنانيين الذين استشهدوا قتلاً، بل تكريماً لفكره وشخصه ونتاجه الفريد ومساهمته الحقيقية في ترسيخ أسس الحوار الديني. ولا أدري لماذا تغيب جهود الشيخ صبحي عن المؤتمرات والندوات التي تعقدها لجنة الحوار المسيحي – الإسلامي في لبنان، هو الذي شاء هذا الحوار أصيلاً وعميقاً، فقهياً ولاهوتياً، بعيداً من الطابع الفولكلوري – الوطني الذي يسم لقاءات هذه اللجنة.
يصعب كثيراً تناسي هذا الشيخ الذي نجح في تقديم الفكر الاسلامي الى المثقفين والقراء غير المسلمين، واستطاع أن يسلّط الضوء على النقاط والأفكار المشتركة بين الاسلام والمسيحية، سعياً منه الى الغاء الحدود التي تفصل اللبنانيين بعضهم عن بعض.
وما أحوجنا اليوم فعلاً الى فكر الشيخ صبحي الصالح، في زمن يسعى بعض الظلاميين الى تشويه الصورة الحقيقية للاسلام.
الحياة


0 تعليقات