لم يكد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله يسري حتى أصدرت "غرفة عمليات المقاومة الإسلامية"، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ما أسمته "بيان رقم 4638" قدّمت فيه إحصاءً للعمليات التي نُفّذت خلال الحرب، معلنةً "تحقيق النصر على العدو الواهم".
اللافت أن البيان تضمّن فقرات عدّة تتعارض بشكل هائل مع ما سبق أن وافق حزب الله عليه. فقد أعلنت الغرفة "أن مجاهديها... سيبقون على أتم الجهوزيّة للتعامل مع أطماع العدو الإسرائيلي واعتداءاته... وأيديهم ستبقى على الزناد، دفاعاً عن سيادة لبنان وفي سبيل رفعة وكرامة شعبه". كذلك، عاهدت "المُقاومة الإسلاميّة" بأن "تكمل طريق المقاومة بعزيمة أكبر".
قبل هذا البيان، نشرت جريدة الأخبار مقالاً لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد تحدث فيه عن أن "معادلة الشعب والجيش والمقاومة" هي "الضمانة المُثلى"، في مواجهة إسرائيل.
في مقاله، عبّر رعد عن انفتاح حزبه على مناقشة "معادلة أخرى" عبر "حوار وطني سيادي"، لكن زميله في الكتلة حسين الحاج حسن جزم بأن "المقاومة باقية وثابتة وراسخة وقوية ومقتدرة، ومعادلة الشعب والجيش والمقاومة ستستمر"، وبينهما أتى النائب حسن فضل الله ليطرح مصطلح "التعانق" بين "المقاومة" والجيش.
ماذا يفعل حزب الله بالضبط؟ هل هذه البيانات هي لجمهوره، كي لا يساوره الشك في حقيقة "الانتصار" أم أنه بدأ منذ اللحظة الأولى بالتنصل مما وافق عليه؟ وهذا سؤال شديد الأهمية اليوم لأن الالتباس الذي خلقه حزب الله أسفر عن تعريض الناس للخطر لأنهم أوهموا بأنهم يمكن أن يعودوا فوراً إلى قراهم، وعن اعتداءات إسرائيلية جديدة بالطائرات الحربية والمسيّرات والمدفعية والرشاشات الثقيلة على مواطنين لبنانيين وقرى لبنانية، وهو شديد الأهمية غداً وبعد غد لأنه قد يعرّض لبنان وشيعته لحرب جديدة كما أنه سيفتح الباب على مصراعيه أمام شقاق داخلي لا حدود لما قد ينتج عنه.
على ماذا وافق حزب الله؟
وافق حزب الله على "إعلان وقف الأعمال العدائية"، وهو اتفاق مكتوب وعلني أوقف الحرب الواسعة، وهو كما يشير اسمه ليس "إنهاءً مستداماً للتصعيد" ولا "حلاً دائماً وشاملاً"، بحسب المصطلحات الواردة في الاتفاق نفسه.
بموجب هذا الاتفاق، أعيد التذكير بأن القرار 1701 يدعو "إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك ‘نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان’". وفي بنوده الـ13، أكد بوضوح لا يحمل أي التباس على:
ـ اقتصار القوات العسكرية والبنية التحتية والأسلحة المنتشرة في منطقة جنوب الليطاني على القوات العسكرية والأمنية اللبنانية الرسمية، بالإضافة إلى قوات اليونيفيل.
ـ تفكيك البنى التحتية والمواقع العسكرية التابعة لحزب الله ومصادرة جميع أسلحته، وتفكيك منشآته المتعلقة بإنتاج الأسلحة والمعدات ذات الصلة، وذلك "بدءاً من منطقة جنوب الليطاني"، أي أن هذا العمل يبدأ من منطقة جنوب الليطاني ولكن يجب أن ينتقل لاحقاً إلى كل لبنان.
ـ انتشار القوات المسلحة اللبنانية، وإقامة حواجز ونقاط تفتيش على جميع الطرق والجسور على طول الخط الذي يحدد منطقة جنوب الليطاني، للتأكد من تطبيق ما ورد أعلاه.
ـ نشر القوات العسكرية والأمنية الرسمية "على كل الحدود، وعلى كل المعابر البرية والجوية والبحرية المنظمة وغير المنظمة"، من أجل مراقبة ومنع أي دخول غير مصرح به لأسلحة ومعدات ذات صلة إلى جميع أنحاء لبنان.
ـ منع القوات العسكرية والأمنية الرسمية "الإنتاج غير المصرح به للأسلحة والمعدات ذات الصلة داخل لبنان"، أي في كل لبنان، وخضوع أي مبيعات أو توريد للأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى لبنان للتنظيم والسيطرة من قبل حكومة لبنان.
ـ منع الحكومة اللبنانية حزب الله وجميع الجماعات المسلحة الأخرى في الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي عمليات ضد إسرائيل.
شقّ غير معلَن
هذا في الشق المعلن من الاتفاق والذي وافق عليه حزب الله، وفيه أيضاً أن من حق كل من إسرائيل ولبنان (الأجهزة العسكرية الرسمية وليس حزب الله) "ممارسة حقهما الطبيعي في الدفاع عن النفس، بما يتماشى مع القانون الدولي".
وبجانب هذا الشق المعلن، هنالك "رسالة جانبية" تتضمّن تعهدات أميركية لإسرائيل وكانت سبباً في موافقة الأخيرة على الاتفاق المعلن، وهي، بحسب ما كشفته "القناة 12" الإسرائيلية، التزام الولايات المتحدة بتزويد إسرائيل بمعلومات استخبارية ذات صلة بأي خرق لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وبمعلومات عن أي محاولة لحزب الله لـ"التسلل" إلى داخل قوات المسلحة اللبنانية الرسمية التي ستنتشر في جنوب الليطاني.
كذلك، تعهدت أميركا لإسرائيل بالتعاون معها لمنع إيران من "تهريب" أسلحة إلى حزب الله.
أيضاً تعطي الورقة إسرائيل "حق" القيام بطلعات استطلاع جوي فوق كل لبنان لأغراض استخبارية لكن بدون أن تخرق طائراتها جدار الصوت، كما تعيطها "حق العمل في أي وقت" في جنوب لبنان بحال خرق حزب الله الاتفاق، بالإضافة إلى "حق" العمل في باقي لبنان ضد "خروقات" حزب الله "بحال كانت القوات المسلحة اللبنانية غير قادرة أو غير راغبة بالتعامل مع الانتهاكات بنفسها".
هذا هو الاتفاق الذي وافق عليه حزب الله وهذه هي الظروف "الجانبية" التي أنتجته، فهل سيصارح حزب الله جمهوره بالحقيقة، أم أن نيّته هي التنصّل منه لاحقاً. من حق الناس أن يعرفوا لأن مصيرهم مرتبط بالأمر، فهل يستعدّون لإعادة إعمار ما تهدّم أم ينتظرون حرباً مقبلة تقتلهم مجدداً وتهجّرهم مجدداً وتهدم ما تبقى لهم من منازل، وهذه المرة قد لا تكون بعيدة بل قد تحدث في أي لحظة!

0 تعليقات