رُسِمَت هذه القصيدة في عام (1998) على الجدار الجانبي لـ (Breestraat 99 في Pieterskerkchoorsteeg) وهي القصيدة رقم (77) من القصائد المكتوبة على الحيطان. تمَّ تقديمُها إلى سفير تشيلي (رودر يغيز) من قِبَل عَمَدَة ليدن (سيس جاكوب) آنذاك. في عام (2009) أُعيد ترميمُها وكُتِبَ عنوانُها بحروفٍ كبيرة.
*(العهد الرابع والعشرون)*
(مقطع من النشيد الشامل)
أتركُ كتبي القديمةَ التي جمعتُها بجَلالٍ مِنْ أقاصي العالم
بِطِباعتِها المهيبَة
لشعراءِ أميركا الجُدُد
أولئك الذين في يومٍ ما
سوف ينسجون على النَّوْل الصاخبِ
معاني الغد.
سيكونون قد وُلِدوا في زمنِ القبضة الخشِنة
مِنْ حطّابين وعمّال مناجم ميِّتين
أعطوا حَيَواتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى
لتنظيفِ الكاتدرائِيَّةِ الملتوِيَة
الحبوبُ، النواةُ، الأليافُ
التي شبكَتْ سهولَنا المتعطِّشة
دعْهُم، يلمسون هذا الجحيمَ، هذا الماضي
هذا الماسَ المسحوقَ، دعْهُمْ يفعلون ذلك
الدِّفاعُ عن العشبِ في أُغْنِيَاتِهِمْ
وكلُّ ما نَبَتَ مِنْ شَجَرِ الشَّهادة.
دعْهُمْ، يسحقونَ الآنَ، على عظامِ الزَّواحِفِ
في إرثِنا المغدورِ بالكامل
لِيَهُبَّ هواءُ المدن التي تنهضُ بمفردِها
دعْهُمْ، يكتبون النظامَ الأساسي
بعد معاناةٍ طويلة، منتصرَة.
دعْهُم، يُحِبّون كما أُحِبُّ، الشعراءَ المُلْهِمينَ: خورخي مانريكي( 2)
لويس دي غونغورا( 3)، غارسيلاسو دي فيغا، فرانسيسكو دي كيفيدو(4 )
كانوا حرّاساً جبابرة، دروعاً شفّافة من البلاتين والثلج.
تعلَّمتُ منهم الصرامةَ والسَّعيَ.
دعْهُمْ، يقرأون عند لوتريامون ( 5) الرِّثاءَ المُرَّ
في وقت الطاعون والعذاب
دعْهُمْ، يرون كيف صعد النجمُ عند ماياكوفسكي (6 )
وكيف وُلِدَت سنابلُ الحنطةِ مِن شُعاعِهِ.
العهد الرابع والعشرون: هو مقطعٌ قصيرٌ من (النشيد الشامل) أشهر أعمال (نيرودا) ويُمكِنُ وصفُه بـ (الموسوعةُ الشعريَّة) أو (الوقائع الشعريَّة) التي تدور حول تاريخ أميركا (اللاتينِيَّة) من البداية إلى النهاية. يتكوَّن مِن حوالى خمسة عشر ألف بيت. كتبه الشاعر التشيلي ردّاً على الحرب الأهليَّة الإسبانيَّة بين عامَي (1937و1950) في تشيلي والمكسيك بالتناوُب. في عام (1943) نُشِرَت النسخة الأولى. وتمَّ نشرُ النشيدِ بشكلٍ كاملٍ في عام (1950). في (العهد الرابع والعشرين) يكتب بابلو نيرودا (وصيَّتَه الشعريَّة). ورَّثَ كتبَه (التي جمعها من جميع أنحاء العالم) للجيل الجديد من الشعراء في أميركا اللاتينِيَّة، يُسمّي (نيرودا) الشعراءَ والكتّابَ الذين ألهموه: (لويس دي غونغورا)، (فرانسيسكو دي كيفيدو)، (فلاديمير ماياكوفسكي)، (لوتريامون) وغيرهم. يأمل نيرودا أن يكونَ الجيلُ الجديد، مثله، ويسير على خطاه لكتابة قصائد عن تاريخ معاناة القارَّة. يستخدم في هذا المقطع تِقنيّاتٍ مختلفة للكتابة الشعريَّة، فهو ينتقل من الإيقاعات الكلاسيكيَّة إلى إيقاع الأغاني الشعبيَّة بتنوُّع رائع في الأوزان والأساليب. يقول في مقدِّمة النشيد "...الشاعرُ يجب أن يكون إلى حدٍّ ما، مؤرِّخاً لعصره، والتأريخ، يجبُ ألّا يكونَ جوهراً، ولا نقاءً، ولا تثقيفاً وتهذيباً. إنَّما يجب أن يكونَ وعراً، معفَّراً، ماطِراً، ويوميّاً، يجب أن يتضمَّن البصمات البائسة للأيّام التي تكرُّ، وأن يحمل ضيق الإنسان وزفراته..."( 7).
في هذا المقطع لا يُمكِن فصلُ التحدِّيات عن معتقدات (نيرودا) الشيوعيَّة. إذ تقع على عاتق الشاعر مهمَّة (محاربة الظلم) من أجل جعل العالم أفضل، يُعطي الأمثلة: عمّال المناجم في القصيدة يُشيرون إلى عمّال المناجم المقتولين في معسكر الاعتقال في (بيساغوا) حيث اعتقل الدكتاتور (فيديلا) الاشتراكيّين والشيوعيّين. يُشير (نيرودا) أيضاً إلى (الفتح) استعمار إسبانيا لأميركا اللاتينِيَّة. مِنْ هنا على الجيل الجديد أنْ يلمسَ (الجحيمَ) هذا الماضي" دعْهُم، يلمسون هذا الجحيم، هذا الماضي"، "دعهم، يُسحَقون الآن، على عظام الزواحف في إرثنا المغدور بالكامل" ويكتب متابعاً: "دعهم، يكتبون النظامَ الأساسي بعد معاناةٍ طويلةٍ، منتصرة".
1- الصورة : قصيدة الشاعر "بابلو نيرودا" تصوير: أنوشكا مينارد
2 - خورخي مانريكي ( 1440- 1479) شاعر قشتالي، وتُعتبَر قصيدته (الحداد) التي كتبها بعد وفاة والده والمعروفة أيضاً باسم (كوبلاس) واحدةً من روائع الشعر الإسباني القديم.
3 - لويس دي غونغورا: 1536 شاعر إسباني من العصر الذهبي.
4 - فرانسيسكو دي كيفيدو: اُنظُر قصيدة الحائط ص 418
5 - لوتريامون هو اللَّقب الذي كان يكتب باسمِهِ (إيزيدور دوكاس) الشاعر الفرنسي. يُعتبَر لوتريامون أوَّلَ مَنْ كتب قصيدة النثر وذلك في كتابه (أناشيد مالدورور) 1867
6 - الشاعر الرّوسي (فلاديمير ماياكوفسكي) 1893-1930
7- بابلو نيرودا، النشيد الشامل، ترجمة: صالح علماني، الناشر: دار المدى، بغداد- بيروت- دمشق، ط2، 2014، ص6

0 تعليقات