على هامش النقاش حول »موسوعة أم كلثوم« غنت روائع شوقي لكنها لم تحظ برعايته
المؤلف: الياس سحاب | التاريخ: 2004-10-16 | رقم العدد:9924
حظي كتاب »أم كلثوم« الموسوعي الذي ساهمت في تأليفه مع شقيقي فكتور سحّاب (في ثلاثة مجلدات من الحجم الكبير) مع مطلع الشهر بالاهتمام والعرض والتعليق، في مناسبتين، كانت الاولى من خلال ندوة افتتح بها النادي الثقافي العربي موسمه لهذا العام، وتحدث فيها نقيب الصحافة اللبنانية محمد بعلبكي، والزميل جهاد فاضل الناقد الأدبي لمجلة الحوادث اللبنانية ومندوب مجلة العربي الكويتية وسائر مطبوعات المجلس الوطني الكويتي للثقافة. أما المناسبة الثانية، فكانت مقابلة مطولة مع شقيقي فكتور، اجرتها ونشرتها في »السفير« الزميلة عناية جابر، مقدمة لها بتغطية موجزة ومركزة لندوة النادي الثقافي العربي. لن أستعيد في هذا المقال عرض او مناقشة الافكار التي طرحت في المناسبتين، لكني اخترت فكرتين فقط (واحدة من كل مناسبة)، رأيت ان في مناقشتهما اغناء للحوار الواسع المطلوب فتحه بشأن تأريخ وتصنيف نماذج الغناء العربي الراقي، المتدفقة بغزارة هائلة بين ثلاثة ارباع القرن التاسع عشر، وثلاثة ارباع القرن العشرين (1875 1975)، وهو الحوار الذي صدر كتاب أم كلثوم بمجلداته الثلاثة باتجاه وضع مدماك في عمارته، وفتح شهية كل المهتمين بهذا الشأن الهام والمهمل من شؤون الثقافة العربية الرفيعة، باتجاه البدء في بذل جهود جادة فيه، بالمعايير الاكاديمية المطلوبة، بدلا من تركه لكل من هب ودب من الذين ما زالوا يعتبرون الغناء العربي الرفيع، والموسيقى العربية الرفيعة، مادة للعروض الاستهلاكية في التلفزيون او مادة للترفيه والتسلية في علب الليل، وعلى صفحات مجلات التسلية المتكاثرة كالفطر، والتي تحمل زورا اسم المجلات الفنية. في مقدمة مقال الزميلة عناية جابر ورد ان مكتبة »بيسان« هي ناشر الكتاب، والحقيقة هي ان مكتبة بيسان، لصاحبها الصديق عيسى الاحوش تتولى فقط توزيع الكتاب، اما الناشر فهو مؤسسة »موسيقى الشرق«، لاصحابها رجل الاعمال الكويتي المثقف الصديق عبد الله عقيل، والفنانين الهاويين الصديقين رفيق وجورج نحاس (هذا الاخير يحترف الهندسة المعمارية ومقاولات البناء). ومن المهم كثيرا، لتوضيح اغراض كتاب »أم كلثوم« الموسوعي، وما يفترض ان يليه من كتب مماثلة، أولها الآن قيد الاعداد كتاب موسوعي (ربما يستغرق اربعة مجلدات) عن محمد عبد الوهاب، من المهم لتوضيح كل ذلك، طرح فكرة موجزة عن المؤسسة التي تتولى انتاج ونشر هذه الكتب. اهم ما في الامر ان اصحاب مؤسسة موسيقى الشرق لم يتعاطوا النشر كصناعة او تجارة قبل الآن. غير ان علاقتهم كهواة للفن الموسيقي والغنائي الرفيع، دفعتهم منذ سنوات الى تبادل الافكار بشأن ضرورة ان يحظى الفن الموسيقي والغنائي العربي الرفيع، شأن هذه الفنون الرفيعة في اوروبا، بجهود مماثلة في المجال النظري، باصدار كتب تؤرخ لرموز هذا الفن وتعرض نتاجهم بما يستحق من الجهد التاريخي الجاد، واساليب التدوين التي تلتزم اشد القواعد الاكاديمية صرامة وجدية. وتشاء الظروف ان تتلاقى هذه الافكار مع ما كنت امارس الكتابة فيه، منذ السبعينيات، في الاتجاه نفسه، وهي الافكار التي دفعتني الى اصدار كتابي دفاعا عن الاغنية العربية في مطلع الثمانينيات. وهي ايضا الافكار التي اتقاسمها مع شقيقي سليم وفكتور سحاب. جهاد فاضل أما الفكرة الثانية فهي التي بنى عليها الزميل جهاد فاضل نصف محاضرته عن الكتاب، في النادي الثقافي العربي. سجل الزميل فاضل مأخذا رئيسيا على الكتاب، بعدما أفاض مشكورا في ذكر النواحي الايجابية فيه، خلاصته ان الكتاب (خاصة المجلد الاول) مع اهتمامه بابراز تفاصيل علاقة أم كلثوم بالشخصيات الثقافية والاجتماعية البارزة، التي قدمت لها الرعاية في السنوات الاولى لاستقرارها في القاهرة، مثل الملحن والمغني الشهير الشيخ ابو العلا محمد، والشيخ مصطفى عبد الرازق، فانه اغفل شخصية بارزة بين هؤلاء، هي شخصية احمد شوقي. قدم فاضل أدلة ثلاثة على اهمية علاقة شوقي بأم كلثوم، التي أهمل الكتاب التوسع في ذكرها، على حد قوله: 1 ذكر تفاصيل ولادة قصيدة سلوا كؤوس الطلا، التي نظمها شوقي في أم كلثوم، عندما قدم لها كأس الخمر في حفلة أقامها على شرفها في منزله، فقربت الكأس من فمها تأدبا، ولكنها ردته دون احتساء قطرة واحدة، ومع ذلك فقد أجادت في الغناء كأنها احتست كؤوسا من الخمر. وهي القصيدة التي لحنها لها رياض السنباطي بعد خمس سنوات من وفاة احمد شوقي (اي في العام 1937). 2 ان أم كلثوم غنت عددا وافرا من قصائد شوقي الرائعة في مدح الرسول، مثل سلوا قلبي ونهج البردة وولد الهدى والى عرفات الله. 3 ان ما انشدته ام كلثوم من قصائد شوقي اروع بكثير (في رأي فاضل) مما انشده محمد عبد الوهاب من قصائد شوقي. ومع اختلافي التام في ما استنتجه فاضل فاني أشكر له ملاحظاته هذه، لأنها تعطيني فرصة لايضاح موضوع هام في حياتنا الثقافية والفنية في الثلث الاول من القرن العشرين، عن حقيقة العلاقة بين شوقي وعبد الوهاب من جهة وبين شوقي وأم كلثوم من جهة ثانية. »سلوا كؤوس الطلا« اذا كانت العلاقة بين شوقي وعبد الوهاب هي اكثر إثارة لاهتمام الكتاب والمؤرخين والنقاد من علاقة شوقي بأم كلثوم، فان ذلك لا يعود حتما لاهمال هؤلاء الكتاب، بمن فيهم كاتب هذه السطور، بل لسبب اشد بساطة بكثير مما تصور فاضل، هو ان العلاقة الشخصية بين شوقي وام كلثوم، لم تكن تستحق اي اهتمام يتجاوز قصة قصيدة »سلوا كؤوس الطلا«. فأم كلثوم، لم تدخل اطار الرعاية الثقافية والاجتماعية لاحمد شوقي، بأي شكل من الاشكال، خاصة اذا قارنا ذلك بالتبني الكامل من شوقي لعبد الوهاب، في السنوات الثماني الاخيرة من حياة امير الشعراء (19321924). فمن الثابت ان العلاقة بين شوقي وأم كلثوم، قبل رحيل شوقي، لم تكن تتجاوز اعجابه الشديد بصوتها، لكنه لم يدخلها حتما في اطار رعايته الاجتماعية والثقافية كما فعل مع عبد الوهاب (كما أثبت في فصل كامل عن هذه العلاقة في الكتاب الذي اعده حاليا عن عبد الوهاب) وكما فعل الشيخ مصطفى عبد الرازق مع أم كلثوم، الذي رعاها ودافع عنها اجتماعيا، وكما فعل احمد رامي الذي كان راعيها الثقافي، ومحمد القصبجي وأبو العلا محمد اللذان كانا راعييها الموسيقيين. ثم ان علاقة أم كلثوم الفنية بأحمد شوقي لم تبدأ الا في العام 1937 (قصيدة سلوا كؤوس الطلا) ولم تزدهر وتتوسع الا في الاربعينيات مع اختيارها لقصائده الدينية الرائعة. ان هذه العلاقة الفنية التي ولدت بين غناء ام كلثوم وشعر شوقي، بعد رحيله بخمس سنوات ليست دليلا على رعاية شوقي لأم كلثوم في حياته، ولكنها دليل على تأخر اعجابها بشعره حتى فترة غير قصيرة بعد رحيله. وتفيد كثيرا في هذا المجال متابعة هذا الموضوع، من خلال تتبع تطور تجارب ام كلثوم مع الملحنين، وليس مع الشعراء فقط. فحتى رحيل شوقي (1932) كانت أم كلثوم قد تعاملت مع خمسة ملحنين فقط، هم ابو العلا محمد وأحمد صبري النجريدي وداود حسني ومحمد القصبجي وزكريا احمد. ولم يحدث (وفقا للوقائع التاريخية لفن ام كلثوم) ان اختار أحد ملحنيها هؤلاء قصيدة لشوقي لتلحينها، او ان اختارت هي قصيدة لشوقي وكلفت احد هؤلاء الخمسة بتلحينها. الملاحظ ايضا ان اقتراب ام كلثوم فنيا من شعر شوقي لم يبدأ الا مع بداية تعاملها مع رياض السنباطي، الذي يمكن اعتباره مسؤولا عن إدخال شعر شوقي الى عالم ام كلثوم الفني، يضاف الى ذلك ان ام كلثوم لم تغن قصيدة واحدة لشوقي الا من ألحان رياض السنباطي. ان هذا المسار يعتبر محطة من اجمل وأهم محطات ام كلثوم الفنية، لكن لا يمكن اعتباره دليلا على رعاية هامة قدمها شوقي لام كلثوم في حياته، واهملتها في الكتاب الذي اشرت فيه لسيرتها الفنية والشخصية. أما الدليل الاخير الذي قدمه فاضل في اثبات ما تخيله من علاقة لام كلثوم بشوقي، اقوى من علاقة عبد الوهاب به، فهي اعتباره اغنيات ام كلثوم من شعر شوقي، اروع بكثير من اغنيات عبد الوهاب من هذا الشعر. في المقام الاول، وحتى لو سلمنا بتفضيل الزميل فاضل لشوقيات ام كلثوم على شوقيات عبد الوهاب، فان ذلك يبقى دليلا على تفوق فني، ولا يمكن ابدا اعتباره دليلا على علاقة لام كلثوم بشوقي، اقوى من علاقة عبد الوهاب به. أما في المقام الثاني، المحصور بالتفضيل الفني الواضح لدى فاضل لشوقيات ام كلثوم على شوقيات عبد الوهاب، فليسمح لي بالاعتراض الفني الكامل على هذا الرأي، لاكثر من سبب: اولا: تصعب المقارنة المطلقة بين شوقيات ام كلثوم (وكلها من الحان السنباطي) وشوقيات عبد الوهاب، لأن ام كلثوم اكتفت من شعر شوقي بمطولاته الدينية في مدح الرسول، التي كان بديهيا ان يختار السنباطي العبقري المزاج الصوفي في تلحينها، وحتى القصيدة الغزلية الوحيدة التي غنتها ام كلثوم من شعر شوقي (سلوا كؤوس الطلا) اختار السنباطي في تلحينها المزاج الصوفي، لاسباب عديدة ربما اهمها الطبيعة الصوفية لشخصية السنباطي، التي كثيرا ما كانت تتسلل الى المواضيع غير الدينية التي يقوم بتلحينها. أما محمد عبد الوهاب فقد كان اختياره من اشعار شوقي ذا مروحة واسعة جدا (بعيدا عن قصائده الدينية) تراوحت بين غزليات شوقي القصيرة الرائعة، وقصائد مختارة من مسرحيتي »مجنون ليلى« و»مصرع كليوبترة«، والقصائد العامية التي نظمها شوقي لعبد الوهاب خصيصا لتلحينها وغنائها، والتي تعتبر من روائع شوقي الشعرية وروائع عبد الوهاب الموسيقية والغنائية، مثل: بلبل حيران، اللي يحب الجمال، في الليل لما خلي، النيل نجاشي، وسواها. ثانيا: اذا كانت شوقيات ام كلثوم التي لحنها السنباطي، تعتبر كنزا من كنوز الغناء العربي الكلاسيكي المعاصر، في لونها الصوفي، الذي يشبه في عمارته اللحنية، العمارة العربية في قصور وجوامع الاندلس، فان جهد عبد الوهاب في تلحين غزليات شوقي القصيرة، كانت تاريخيا الجسر الكبير الذي نقل فيه عبد الوهاب موسيقى القصيدة العربية من شكلها الشديد البساطة في نمط عبده الحامولي وابو العلا محمد، الى آفاقها الرحبة التي ارتادها عبد الوهاب، مع قصائد لشوقي وسواه، ووصل بها الى كلاسيكياته الشامخة مثل قصيدة دمشق والسودان (شعر شوقي) والجندول وكليوبترة (شعر علي محمود طه) والكرنك (شعر احمد فتحي) وكثير سواها. ثالثا: تفرد عبد الوهاب بين كبار ملحني ومطربي القرن العشرين، بالحصول على قصائد بالعامية المصرية نظمها شوقي خصيصا له، ويعتبر بعضها (مثل في الليل لما خلي، والنيل نجاشي، واللي يحب الجمال) محطات تاريخية سجلها عبد الوهاب في مسيرة تطور الموسيقى العربية الجادة، سنوات طويلة قبل ان يبدع السنباطي لحنه الاول، ولا شك بأن السنباطي قد افاد منها وبنى عليها في تأسيس قلعته الشامخة من قصائد شوقي الدينية. رابعا: كما تفرد عبد الوهاب بالانكباب على تلحين مسرحية كاملة لأحمد شوقي، هي مجنون ليلى. ومع انه لم يسجل منها الا مقاطع معروفة هي قصيدة تلفتت ظبية الوادي، وقصيدة جبل التوباد، وقصيدة سجا الليل، ومغناة مجنون ليلى (غناها مع اسمهان)، فان هذه الالحان (خاصة مغناة مجنون ليلى، وسجا الليل) تنتصب ذروة عالية في رصيد الموسيقى العربية الكلاسيكية. كما ان من الثابت بأدلة حسية كثيرة ان عبد الوهاب قد انجز قبل رحيله تلحين القسم الاكبر من مسرحية شوقي »مجنون ليلى«، وان كانت هذه الالحان ما زالت طي الحقائب تنتظر من يجمعها ويتولى تنفيذها موسيقيا ومسرحيا، كأحد اعظم كنوز الموسيقى العربية الجادة في القرن العشرين. ليست هذه الملاحظات ضيقا بملاحظات الزميل جهاد فاضل، ولكنها افادة منها في توسيع دائرة النقاش الجاد بشأن قضايانا الثقافية والفنية وتثبيت المعلومات التاريخية الدقيقة المتعلقة بها، ولعل هذا ما حاولت المساهمة به مع شقيقي فكتور، في مغامرة الكتابة الموسوعية عن ام كلثوم، لنثبت عمليا ان حياتنا الموسيقية والغنائية، هي اكثر زوايا حياتنا الثقافية العربية اهمالا واستخفافا بها، بدليل أننا ما زلنا نتركها حتى الآن مادة يتسلى بها كتاب المنوعات والترفيه، بدلا من ان نمحضها ما تستحق من جهد تاريخي وتحليلي وتسجيلي عميق وجاد، هي خليقة به حتما. خلاصة القول في هذه المسألة، ان ام كلثوم غنت روائع شوقي، هذا صحيح، وحظي فنها وصوتها باعجابه، هذا صحيح ومؤكد، لكنها لم تحظ برعايته، كما حظي بها عبد الوهاب، ولا حتى بنسبة اقل مما غمر به شوقي عبد الوهاب من رعاية كان لها أكبر الاثر في تكوين شخصيته الثقافية، وبلورة شخصيته الفنية.
0 تعليقات