[أُعيد نشر هذه الكلمة التي كتبتُها بمناسبة صدور شريط "بما إنّو"(عام ١٩٩٥) ونشَرَتْها يومذاك مجلّة "الوسط" الصادرة في لندن]
أعترف أوّلًا بأنّ الكتابة عن زياد الرحباني مسؤوليّة. وأعترف أيضًا أنني، بسبب إحساسي بهذه المسؤوليّة، تردّدت كثيرًا قبل أن أُكمل هذه الكلمة.
أريد فقط أن أسجّل بعض الملاحظات التي أوحت لي بها كلمات هذا الشريط الجديد، بما إنّو، انطلاقًا من قراءتي لها ومن قراءتي لما كتب عنها.
إنّ ما دفعني إلى الكتابة عن كلمات هذا الشريط، إحساسي بأهمّية الكلام الذي يكتبه زياد الرحباني عامّة، وإحساسي أيضًا بتقصير "النقد" الذي يُكتب عنه، وعجز هذا "النقد" عن إيجاد مصطلحات جديدة مناسبة له ومتماشية معه. إنّ المسطرة التي يقاس بها عمل هذا الرجل يجب أن تستبدل بأخرى. يجب أن يخترع النقد كلامًا آخر حتّى يستطيع أن يماشي تجربته وحتى يستطيع أن يغتني بها وأن تغتني به.
في كلّ ما كُتب عن كلمات هذا الشريط، يتردّد دائمًا أنّها كلمات شعبيّة (وهو الشيء نفسه الذي يتردّد بعد كل عمل يقوم به زياد الرحباني)، وهذا في رأيي أوّل ما يجب إعادة النظر فيه.
رأيي أنّ كلمات زياد الرحباني، وعلى عكس ما يقال فيها، ليست شعبيّة، وأنّ وصفها بالشعبيّة ناتج عن عدم الانتباه إلى الفرق الأساسي بين ما هو محكي وما هو شعبي، وبين ما هو كلام محكي وما هو كلام شعبي.
فالكلام المحكي هو كلام بالمحكيّة، والمحكيّة هي لغة الناس اليوميّة، لغة جميع الناس، الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء، والعلماء والجهّال، و"الدولة" و"الشعب".
والكلام بالمحكيّة قد يكون شعبيًّا، وقد يكون سوقيًّا، وقد يكون راقيًا وقد يكون شعريًّا وقد يكون علميًّا وقد يكون ما شئنا، ففي المحكيّة مستويات.
هناك إذن ميل عند نقادنا إلى الخلط بين هذين المصطلحين ممّا استدعى هذا التوضيح.
لماذا ليست كلمات هذا الشريط شعبيّة؟ (أعتقد أنّ هذا السؤال يسري على كلمات كل أعماله).
لأنّ ما هو شعبي لا ينتقد الأخلاق السائدة، بل بالعكس إنّه مدافع عنها، وهو ينتقد، عندما ينتقد، "الدولة" أو "السلطة" أو "المسؤولين" باسم هذه الأخلاق السائدة. بل إنّ ما هو شعبي حارسٌ أكيد لهذه الأخلاق ومؤمِّن لديمومتها.
ثم إنّ ما هو شعبي يهدف للتسلية عادةً، لتمضية وقت مريح، ليستطيع السامع أن يستسلم له، فيتكلّم غالبًا عن الحسرة واللوعة والغياب والعذاب واللقاء والشوق والاشتياق والوصل والوصال وإلخ.
ثم إنّ ما هو شعبي ينطلق من مسلّمات "الشعب" (أي أغلب الناس) ومن معتقداته، ويستجيب لها ويتماشى معها.
وهو يتماشى خاصّة مع ذوقه، أي ذوق الشعب (أقصد هنا الذوق الفنّي). فلا يخرج لذلك على مألوف لئلّا "يخدش" هذا الذوق أو يزعجه. ومرجع الذوق الشعبي كما نعرف، هو النموذج الماضي المقيم في الذاكرة.
باختصار، لا يقترب الكلام الشعبي من موضوعين إثنين.
١-الأخلاق (بما هي مجموعة مبادئ تتحكّم بسلوكنا كأفراد وكمجموعات) وتابعها السياسة (بالمعنى البعيد).
٢-الذوق الفني الموروث.
أمّا في كلمات زياد الرحباني فإننا نجد العكس تمامًا، فلا شيء يجمعه أبدًا بما هو شعبي بالمعنى الذي ذكرناه. إنّ كلمات أغاني زياد "معمولة" لتصيب أهدافًا في الأخلاق وفي الذوق! بل أكثر من ذلك: لا أعتقد أنّني مخطئ إذا قلت أنّها تحمل مشروعًا تغييريًّا في الأخلاق (Ethique) (وتابعها السياسة)، وفي الذوق.
كلماته تطرح علينا أسئلةً، وأسئلةً صعبةً جدًّا، كلماته تقلقنا. إنها لا تسلّينا بألم الفراق أو بعذوبة اللقاء، بل تفضح كيف أنّ المرأة طرف والرجل طرف، وبينهما معركة "شدّ حبال" مؤلمة وموجعة، كما في الحقيقة الحيّة المعاشة تمامًا! فنحسّ أنفسنا مدعوّين، وإن بشكل لا واعٍ، إلى التساؤل عمّا يجب فعله حتى تكون العلاقة بين الرجل والمرأة أكثر إنسانيّة، وحتّى تتحكّم بها أخلاق أخرى غير هذه الأخلاق السائدة.
ولأنّ هذه الكلمات تحمل مشروعًا أخلاقيًّا فلذلك هي سياسيّة، لكنّها سياسيّة بالمعنهى البعيد، بمعنى أنّ هدفها فضح أنسجة دماغنا التي تؤدّي بنا إلى أن يكون عندنا سلوك لا يقبله "العقل".
من هنا أيضًا يمكن فهمها بسهولة على أنّها ضد هذا الوزير أو ذاك، أو ضد هذا المسؤول أو ذاك... إنّها ضدهم بالتأكيد، لكن ليس هذا الأهمّ فيها، الأهمّ هو هذا الذي في دماغنا جميعًا، وزراء ونوابًا ومسؤولين ومواطنين "عاديين". إنّها دعوة إلى معالجة الأساس والجوهر.
تتناول كلماته مفاصل أساسيّة في الكلام اليومي، أي الذي يتكلّمه جميع الناس كلّ يوم، وتقبض على حِيَل الكلام اليومي لتَعْبر بواسطته إلى الذهن، إلى دماغ الناس، إلى طرق تفكيرهم اللاواعية، وإلى المفاهيم التي تحكم تصرّفهم وسلوكهم اليومي، أي الدائم الثابت.
كلمات هذه الأغنيات تشريح لِحِيَلِ فكرنا اليومي، أي الدائم، إنّها إضاءة مفاجئة لدماغنا أثناء عمله، بل في عزّ عمله.
وإذا كان يطال منها "المسؤول" أكثر من غيره، فلأنّه "مستفيد" ربما أكثر من غيره، ولكنّ الفرق بين الإثنَين بالدرجة وليس بالجوهر، لأنّ أعلى "مسؤول" وأدنى مواطن يشتركان في نسيج دماغي واحد! وما من أحد إلّا و"يفرد". فلذلك لو أخذنا كلمات الشريط كلمة كلمة وعبارة عبارة لما وجدنا فيها شيئًا لا يشترك فيه الناس جميعًا، مهما اختلفت مستوياتهم.
ومن جهة ثانية فإن هذه الكلمات خارجة على المألوف الشعري الذي تمتاز به الأغاني عامّةً، والأغاني الشعبيّة بشكل خاص.
وربّما الذي يسهّل الاعتقاد بأنّ هذه الكلمات شعبيّة هو كونها بالمحكيّة الصرف، تلك التي لا نعرف مثلها أبدًا عند الذين يكتبون بالمحكيّة، والذين تمتلئ كتابتهم بالتراكيب الفصحى بقالب محكي.
إنّ الحيويّة التي تمتاز بها هذه الكلمات عائدة كما أعتقد، إلى خلوّها التامّ من كل رغبة شعريّة أو قصد شعري، فلا رغبة في مجاز أو تشبيه أو استعارة أو إطناب أو مبالغة، ولا دلع أو حنين أو بكاء أو تشكٍّ، إلخ. فهذا الكلام، (كلام زياد)، ليس شعرًا، هذا كلام حيّ.
لذلك يشعر السامع أحيانًا أنّه فقد توازنه وهو ينصت إليها، لأنّه معتاد على شعر فيه تشبيه من نوع تشبيه الوجه بالقمر أو تشبيه العينين بالبحر، ولذلك يشعر أنّه ليس في جوّ أليف. لأنّ كل جديد يفاجئ، بل يصدم، خاصّة إذا كان جذريًّا.
يرفض زياد أن يضع سامعه إلّا في قلب الموضوع. في قلب المأزق. إنّه متطلّب. لا يرضى بغير السؤال الأساسي، الأوّل. يذهب دائمًا إلى الجوهر، لا يمكن أن يتلهّى بما لا يعتبره الأساس والأصل (سأل عن "الدبّ" في أحدى مسرحيّاته الأخيرة أمسلم هو أم مسيحيّ!)، يشير إلى مآسينا بلا مواربة ولا ممالأة.
زياد الرحباني ينكسر ولا يلين.
لا يمالئ زياد الرحباني وهذا أمر متعب جدًّا، يصعب على الإنسان المحافظة معه على علاقته بالناس والمؤسّسات والمراجع، وإلخ. فالممالأة "خطيئة" عظيمة يرتكبها الكثيرون ممن يظنون أنفسهم مدافعين عن القضايا (المثقّفون خاصّة). وأخطر الممالآت هي ممالأة معتقدات "الشعب"، وهذه أخطر من ممالأة "النظام" أو "السلطة" أو "رأس المال".
ترى، أيمكن ألّا يخفي هذا الثبات لينًا وماءً؟ وهذا الغضب أيمكن ألّا يخفي حبًّا أعظم؟
ألذلك هو أكثر الناس انتشارًا؟

0 تعليقات